الراديو في ذاكرة جيل فلسطيني
صورة ضوئية عن التقرير الذي تم نشره في صحيفة الأيام نيوز.
سامية عرموش – إعلامية وباحثة في ثقافة السينما
لم يكن الراديو، في زمن مضى، مجرد جهاز يستقر في زاوية البيت؛ بل كان صوتًا يملأ المكان، وموعدًا تنتظره العائلة، ونافذة على عالم أوسع من حدود الحي والمدينة. ارتبط في فلسطين، كما في كثير من البيوت العربية، بإيقاع اليوم: بالأغنية، والمسلسل، والنشرة الإخبارية، والبرامج الثقافية والفنية، والتحيات التي تصل عبر الأثير إلى أحبة فرقتهم المسافات.
منذ وقت مبكر، وجد المذياع طريقه إلى الحياة الفلسطينية، وأصبح منذ ثلاثينيات القرن الماضي جزءًا من المشهد الثقافي والاجتماعي. ومع انطلاق إذاعة «هنا القدس» عام 1936، بدأ الأثير يحتل مكانًا متزايدًا في البيوت والمقاهي وأماكن التجمع. ولم يكن الاستماع تجربة فردية؛ إذ كان يجمع الناس حول صوت واحد، ويصنع لحظات مشتركة تتقاطع فيها الموسيقى والأخبار والدراما والبرامج المختلفة.
ثم جاءت النكبة، فتبدلت الجغرافيا، وتشتتت العائلات، وتغيرت تفاصيل الحياة. ومع ذلك، بقي الراديو حاضرًا؛ يحمل إلى البيوت أصواتًا وأغاني وبرامج تصلهم بعالم عربي صار أبعد جغرافيًا، لكنه ظل قريبًا عبر الصوت.
لكن ماذا بقي من ذلك الراديو في ذاكرة من عاشوا معه؟ وهل ما زال حاضرًا في حياتهم اليوم؟ وهل انتهى فعلًا زمنه، أم أن الأثير وجد لنفسه مكانًا جديدًا في حياتنا؟
من هنا جاء هذا السؤال، فدفعني إلى الإصغاء إلى عدد من أبناء الجيل الذي عايش الأثير في سنوات حضوره القوي في البيت والحي. أردت أن أعرف ليس فقط ماذا كانوا يسمعون، بل كيف عاشوا الإصغاء: ما الأصوات التي بقيت عالقة، وكيف غدا المذياع جزءًا من النسيج الاجتماعي والثقافي، وما الدور الذي لعبته الأغنية والدراما والبرامج الإذاعية في تشكيل ذائقة ذلك الجيل، وماذا بقي منه بعدما انتقلت الأصوات والصور والأخبار إلى الهاتف والشاشات.
ولعل هذا الفضول لم يكن مهنيًا فقط؛ فقد كان في داخلي، دائمًا، شيء غير مكتمل تجاه الراديو. عملت على مدى سنوات في التلفزيون والصحافة والعلاقات العامة، مراسلةً ومحررةَ مضامين، واقتربت من الإعلام بأشكاله المختلفة، إلا أن محطة واحدة بقيت خارج تجربتي المهنية: الراديو. وكثيرًا ما كنت أُستضاف أو ألتقي بزملاء يقولون لي: لديكِ صوت إذاعي، صوت «راديوفوني». وكان هذا الحلم قريبًا من وجداني، وإن لم أسعَ يومًا إلى تحقيقه.
لذلك، حين قررت أن أسأل أبناء جيل عاش زمن الأثير عن علاقتهم به، لم أكن أبحث فقط عن تاريخ وسيلة إعلام، بل عن ذاكرة صنعتها الأصوات، وعن أثر لا يزال يتردد في البيوت والوجدان.
حين طلب الجد "بطارية كلها على صباح"
تروي هيام طنوس، مفتشة المستشارين التربويين المتقاعدة والمربية الحيفاوية من أصول عسفاوية، واحدة من أكثر الصور طرافة ودفئًا في ذاكرتها.
كانت طفلة حين رافقت جدها إلى دكان الحي. وكان الرجل شديد الولع بصوت الشحرورة صباح. وفي إحدى المرات طلب من صاحب الدكان، بعفوية، "بطارية كلها على صباح".
لم تفهم الطفلة يومها مغزى العبارة، وعندما أخبرت والدها بما قاله جدها، ضحك والدها. ومن خلال ردّة فعله، فهمت لاحقًا مدى ولع جدها بصباح، وأنه أراد بطارية شحن كاملة ليستمع إلى أغانيها دون انقطاع.
لكن ذاكرة طنوس لا تتوقف عند هذه الحكاية. ففي بيت هذا الجد، كان الراديو جزءًا من طقوس العائلة ولقاءاتها. وفي مناسبات مثل عيد شم النسيم، كان الليوان الكبير في البيت يستقبل الأقارب والممتدين من الحي، فيجتمع عشرات الأشخاص، يتناولون القهوة، ويدخنون الشيشة، ويصغون معًا إلى صوت أم كلثوم المنبعث من الراديو.
لم يكن الجهاز يومها في زاوية بعيدة من المشهد؛ كان في قلبه. وكانت الأغنية قادرة على أن تجمع عائلة كبيرة حول صوت واحد، فيتحول الاستماع إلى مناسبة اجتماعية بحد ذاته.
حين كانت أم كلثوم تجمع الحارة
وتستحضر الناشطة الحيفاوية رحاب بشتاوي، المعروفة بأم رجا، صورة تفصيلية دافئة من طفولتها في بلدة يافة الناصرة؛ إذ تعود إلى العاشرة من عمرها، حين كان والدها والجيران ينادون بعضهم بعضًا مع بدء بث أغاني أم كلثوم عبر الإذاعة: «يا أبا حسن، يا أبا أمين، يا أبا فلان…»، فيخرج كل واحد منهم وبيده كرسيه أو قطعة «بلوك» يجلس عليها. يجتمعون معًا، يصغون ويتفاعلون بأسرهم مع ذلك الصوت الشجي.
تقول بشتاوي: "لم يكن جهاز الراديو مجرد قطعة أثاث خشبية تُصدر صوتًا، بل كان قلب البيت والنواة التي تلتف حولها الحارة بأكملها".
كانت البيوت والساحات الصغيرة، كما تتذكر، تتحول مع حفلات أم كلثوم إلى مسارح فرح؛ يجتمع الناس، ويتقاسمون اللقمة والنغمة، وينشأ حول المذياع شعور بالألفة والسكينة، وكأن ضيق المكان والعزلة والخوف يتراجعان لبعض الوقت.
حين كان الخبر يجمع المقهى والبيت
تستعيد المربية نادية زيتون، البالغة من العمر 76 عامًا، حضور المذياع في يومياتها، وتروي كيف كان يجمع الناس حوله، خصوصًا في الأوقات التي كانت تشهد توترًا أو أحداثًا سياسية وأمنية.
وتصف مقهى «سيمون» في سوق وادي النسناس في حيفا، وهو مقهى رجالي كان يعج بالرجال، خاصة عندما تكون الأجواء مشحونة أو في أوقات الحروب والتوترات. هناك، كانوا يتحلقون حول الأخبار، ويتابعون ما يجري.
وتعود نادية بذاكرتها إلى سنوات مراهقتها، فتصف كيف كانت الفتيات والجارات يسألن الواحدة منهن الأخرى: «هل والدك في البيت، أم نستطيع أن نأتي لنستمع إلى الراديو؟».
فالراديو لم يكن مصدرًا للأخبار فقط. كانت تُبث عبره المسلسلات الإذاعية، ومنها مسلسلات ذات طابع غرامي، تشبه، كما تقول نادية، المسلسلات التركية التي يتابعها الناس اليوم.
وتتذكرأيضًا أن صوت الراديو المرتفع، خصوصًا مع الأغاني، كان أحيانًا يزعج بعض الجيران، فيطلبون خفض الصوت.
وتقول نادية إن تلك المرحلة كانت «أيامًا جميلة»، وإن للمذياع في ذلك الزمن مكانة وقيمة كبيرتين؛ فقد كان مصدرًا للمعلومات، وفي الوقت نفسه وسيلة تجمع الناس حول الأغاني والمسلسلات الإذاعية والبرامج المختلفة.
وتتذكر أيضًا أنه عندما كان الراديو يتعطل، لم تكن التكنولوجيا متاحة كما هي اليوم، وكان قليلون يعرفون كيفية إصلاح أجهزة الراديو. وتقول:
«لما كان الراديو يخرب، ما كان في تكنولوجيا متل اليوم، وقليل اللي كانوا يعرفوا يصلحوا الراديو. بتذكر إلياس أبو خضرة، اللي بعدين صار عنده أكبر وكالة سيمنس. هو الوحيد اللي كان يجي عنا عالبيت ويصلّح الراديو، لأنه ما حدا كان يقدر يقعد بلا راديو بهداك الوقت، وهو كان كتير صحاب مع أبوي».
دفء البيت وطقوس العائلة
أما رئيفة حكروش، عاملة اجتماعية مديرة قسم الحياة المشتركة مركز ليئوباك حيفا، فتستعيد المذياع بوصفه جزءًا محببًا من ذكريات الطفولة وبيت الأهل.
تحضر في ذاكرتها صورة جهاز الراديو في البيت، وحضوره المهم في يوميات العائلة، في زمن لم تكن فيه كل هذه الشاشات ووسائل التواصل التي تحيط بنا الآن. كان بالنسبة إليهم نافذة على العالم، تُسمع من خلالها النشرات والأغنيات والبرامج المنوعة.
ومن أكثر الصور التي بقيت عالقة في ذاكرتها انتظار الأهل موعد نشرة الأخبار، وجلوسهم للاستماع إليها باهتمام، خصوصًا عندما تكون هناك أحداث مهمة.
وتستحضر أيضًا برنامج «ما يطلبه المستمعون»، وكيف كان من الممتع الإصغاء إلى طلبات الناس وإهداءاتهم وانتظار الأغاني التي يطلبونها. وبالطبع، تحتل كوكب الشرق مكانة خاصة في ذاكرتها؛ فقد كان لصوتها حضور مميز في بيوت العائلة.
أما في رمضان، فكان للمذياع جو خاص. تستعيد حكروش برنامج «أبو جرير»، ولا سيما ما قبل الإفطار، وتقول إن صوته ما زال مرتبطًا في وجدانها بأجواء رمضان، وبيت الأهل، و"لَمّة العيلة".
ومع تبدل الزمن، تغيّرت علاقتها بالراديو كثيرًا. فمنذ سنوات لم يعد لديها جهاز في البيت، وأصبح استماعها إليه مرتبطًا أساسًا بالسفر بالسيارة. دخلت وسائل كثيرة إلى الحياة وأخذت جزءًا من المكان الذي كان يحتله، من التلفزيون والإنترنت إلى الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي.
لكنها لا ترى أن عصر الراديو انتهى، وإنما تبدّل مكانه. فالصوت الذي كان يملأ البيت صار يرافق الطريق.
وتقول إن السؤال نفسه أعاد إليها ذكريات وأصواتًا جميلة لم تفكر فيها منذ زمن.
الطرب الذي شكّل الذائقة
أما فيوليت بخيت، صاحبة متجر للملابس النسائية في حيفا منذ أكثر من أربعة عقود، فتبدأ بالحديث عن علاقتها بالراديو منذ سنوات صباها، حين كان عنصرًا أساسيًا من إيقاع الحياة ومحفلًا ثقافيًا وفنيًا تتشكل من خلاله الذائقة وتُنتظر برامجه وأصواته بشغف.
تصف كيف كانت أغاني فيروز وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ حاضرة في البيوت، وكيف ارتبطت أصواتهم بأوقات محددة وبطقوس استماع كانت تمنح النهار إيقاعه الخاص. وكانت تنتظر، على نحو خاص، موعد الخامسة مساءً لسماع أم كلثوم، إلى جانب ما كانت تصغي إليه من روائع الطرب الأصيل.
في تلك السنوات، لم يكن الراديو مجرد وسيلة لبث الأغاني؛ كان نافذة ثقافية هادئة تفتح أمام المستمعين عالمًا من الموسيقى والكلمة والحكاية، وتسهم في تشكيل ذائقتهم الفنية والثقافية.
لكن علاقة بخيت بالراديو لم تتوقف عند ذكريات الصبا. فقد ظل المذياع حاضرًا في حياتها حتى اليوم، يرافقها في تفاصيل يومها، ولا سيما في المطبخ، حيث تستمع إليه أثناء إعداد الطعام وإنجاز الأعمال المنزلية.
وهكذا، انتقل الراديو في ذاكرتها من طقس صبا ومحفل ثقافي يجتمع حوله الناس، إلى رفيق يومي لا تزال تستأنس بصوته.
الصوت قبل الصورة
أما المربية إفلين ضو، فتقول إن الراديو كان الوسيلة الوحيدة لتلقّي المعلومات والأخبار، ومن خلاله كنّا نتذوّق الفن الراقي، ونستمتع ونركّز على الصوت والموسيقى، لأننا كنّا نستخدم حاسة السمع وحدها.
وترى أن الاستماع إلى الصوت مع مشاهدة الصورة يفقد، نوعًا ما، من متعة الفن؛ لأننا عندما نسمع ونرى صورة، نركّز أيضًا على الشكل، فنفقد جزءًا من المضمون.
وتذكر من البرامج «صوت العرب من لندن»، و«ما يطلبه المستمعون»، وبرامج «سلامات» مثل: "أهدي سلامي إلى…".
وفي الصباح، كنّا نستيقظ على صوت فيروز. وتتذكر أيضًا أنه كل يوم، في الساعة الرابعة بعد الظهر، كانوا يستمعون عبر إذاعة إسرائيل إلى أغاني أم كلثوم.
أما اليوم، فتقول إن استماعها إلى الراديو يقتصر على السيارة.
عادة صباحية لا تنقطع
لكن شهادة فريال صلح، مربية متقاعدة للتربية الخاصة من حيفا، تأخذنا من الذاكرة إلى الحاضر.
تقول إن للراديو «مكانة خاصة وضرورية» في حياتها اليومية، وإن علاقتها به أصبحت جزءًا من روتين صباحي لم يتغير رغم مرور العقود.
منذ سنوات صباها، اعتادت أن تفتح عينيها في الصباح وتتوجه إلى مفتاح الراديو لتستمع أولًا إلى الأخبار، ثم إلى صوت فيروز في برنامج «فيروز على الصباح». واليوم، بعدما أصبحت جدة في السبعينيات من عمرها، ما زال المشهد يتكرر بصورة تلقائية.
تدخل إلى المطبخ، وتتوجه إلى الراديو، لتستمع إلى أخبار مجتمعها وما يجري في العالم، وإلى معلومات صحية واجتماعية، إلى جانب الأغاني من الطرب الأصيل، وفي مقدمتها صوت فيروز.
وترى صلح أن للراديو حسنات أكثر من التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي، لأنه لا يطلب من المستمع أن يتوقف عن عمله كي يتابعه. تقول إن الإنسان يستطيع أن يستمع ويواصل حياته في الوقت نفسه.
وتستعيد من سنوات الستينيات والسبعينيات المسلسلات الرمضانية والاجتماعية التي كانت العائلة تتابعها عبر الراديو. ومن أكثر ما بقي في ذاكرتها مسلسل «سفينة نوح»، الذي كانت تتابعه هي وشقيقاتها طوال شهر رمضان.
كانت من تتولى غسل الأواني تأخذ الراديو وتضعه إلى جانبها عند المجلى، ثم تجتمع الأخوات حوله لمتابعة المسلسل والاستماع إليه معًا.
في هذه الذكرى، يبدو الراديو جزءًا من تفاصيل الحياة نفسها؛ لم يكن يحتاج إلى أن تتوقف الحياة من أجله، بل كان يدخل إليها ويصاحبها. كانت اليد منشغلة بالجلي أو إعداد الطعام، فيما الأذن تتابع الحكاية.
وتشير صلح أيضًا إلى ميزة أخرى للراديو: سهولة الوصول إلى المعلومة، حتى بالنسبة إلى من لا يعرفون القراءة. فمن خلال السماع، كان بإمكان الناس معرفة الأخبار وما يدور حولهم، والاستماع إلى البرامج الصحية والاجتماعية والثقافية.
ولهذا، لا ترى صلح أن الراديو ينتمي إلى الماضي فقط. فرغم تغير الوسائل وتعدد المنصات، ما زالت تعتبره وسيلة سهلة وناجحة للتواصل، تجمع بين الخبر والمعلومة والأغنية، وتحافظ على شيء من المتعة التي ارتبطت في ذاكرتها بـ«الزمن الجميل».
وربما تختصر تجربتها علاقة جيل كامل بالراديو.
فهي، بعد عقود طويلة، ما زالت تبدأ صباحها بالطريقة نفسها تقريبًا: تدخل إلى المطبخ، تبحث عن مفتاح الراديو، وتفتح الأثير.وهكذا، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل انتهى زمن الراديو؟
ففي ذاكرة هذا الجيل، لم ينتهِ الراديو تمامًا؛ تغيرت وظيفته والوسائل من حوله، لكنه ظل حاضرًا بأشكال مختلفة: في السيارة، وفي المطبخ، وفي روتين الصباح، وفي الوجدان.
ربما لا تستعيد هذه الشهادات جهازًا بقدر ما تستعيد طريقة كاملة في الإصغاء والعيش مع الصوت؛ زمنًا كان فيه الناس ينتظرون برنامجًا بعينه، ويتجمعون حول أغنية، ويتابعون مسلسلًا من دون صورة، ويتركون للخيال أن يبني المشهد.
وما بين جدٍّ طلب ذات يوم «بطارية كلها على صباح»، وجيران نادوا بعضهم بعضًا ليجتمعوا حول صوت أم كلثوم، ومستمعين تابعوا الأخبار في المقاهي، ونساء واصلن أعمالهن المنزلية والمذياع إلى جانبهن، وجدة في السبعينيات ما زالت تدير مفتاحه كل صباح، يمتد خيط واحد: بعض الأصوات لا تنتهي بانتهاء البث؛ تبقى في الذاكرة، وتواصل حياتها داخلنا.
من ذاكرة الراديو في قرية "عيلبون"
يتحدث العم أبو ربيع زريق (السيد زريق زريق)، المنحدر من قرية عيلبون، عن المكانة التي احتلها جهاز الراديو في حياة الأهالي خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وعن دوره في نقل الأخبار والأحداث السياسية والثقافية إلى قرية لم تكن قد ارتبطت بعد بشبكة الكهرباء.
وتوضح أم ربيع زريق (السيدة فايزة زريق)أن أول من أدخل جهاز الراديو إلى بيته في قرية عيلبون كان نايف إبراهيم. وكان امتلاك جهاز راديو في ذلك الوقت أمرًا غير متاح للجميع، ولذلك كان صاحب الجهاز يُنظر إليه باعتباره رجلًا ميسورًا ومحترمًا ومن «الأكابر» في القرية. فلم يكن الراديو مجرد وسيلة للاستماع، بل كان أيضًا علامة على مكانة اجتماعية معينة.
ويذكر أبو ربيع أن الأهالي، وخاصة الرجال، كانوا يتوجهون إلى البيوت التي يتوفر فيها جهاز راديو للاستماع إلى الأخبار، ولا سيما في أعقاب الأحداث والحروب التي شهدتها المنطقة. وكانت أجهزة الراديو آنذاك تعمل على البطاريات، إذ لم تكن عيلبون موصولة بشبكة الكهرباء. وكان سائق خاص يأتي من الناصرة، يأخذ البطاريات من الأهالي، ويتولى تعبئتها ثم يعيدها إلى القرية، حتى يتمكن الناس من مواصلة الاستماع إلى الراديو.
ويستذكر أبو ربيع أنه عندما كان الرئيس المصري جمال عبد الناصر يلقي خطابًا، كانت البيوت التي يتوفر فيها جهاز راديو تتحول إلى مكان تجمع؛ إذ كان الأهالي يلتفون حول الجهاز للاستماع إلى الخطاب ومتابعته. كما حظيت الأخبار السياسية باهتمام كبير، وخاصة في أعقاب حرب عام 1967، وأصبح الراديو نافذة أساسية لمعرفة ما يجري في المنطقة.
وتصف أم ربيع جهاز الراديو في تلك الفترة بأنه كان أشبه بـ«العجيبة»؛ فقد كان جهازًا جديدًا ومثيرًا للدهشة، يتيح للناس سماع أصوات وأخبار تأتي من خارج القرية، في وقت كانت فيه وسائل الاتصال والمعلومات محدودة.
ومع مرور الوقت، ولا سيما خلال ستينيات القرن الماضي، بدأ جهاز الراديو ينتشر بصورة أكبر، وأصبح موجودًا في عدد متزايد من البيوت. ولم يعد استخدامه مقتصرًا على متابعة الأخبار والخطابات السياسية، بل أصبح مصدرًا للترفيه والاستماع إلى الموسيقى والغناء.
ويتذكر أبو ربيع أن الاستماع إلى أم كلثوم جاء في فترة لاحقة، وكان له طابع خاص. ففي أول خميس من كل شهر، كانت الإذاعة تبث حفلًا لأم كلثوم، وكان هذا البث مناسبة ينتظرها الناس ويتابعونها عبر الراديو، ما أضاف بعدًا اجتماعيًا جديدًا إلى تجربة الاستماع، وجمع الناس حول صوتها وأغانيها.
ولاحقًا، بدأ الأهالي يتعرفون إلى فيروز وأغانيها. ويقول أبو ربيع إنهم في البداية لم يكونوا يعرفون فيروز بالقدر الذي كانوا يعرفون فيه أم كلثوم، لكنهم مع الوقت تعرفوا إلى أغانيها وأحبوها، وأصبحت هي الأخرى جزءًا من برنامجهم الاستماعي اليومي.
وهكذا، لم يكن الراديو مجرد جهاز لنقل الأخبار إلى عيلبون، بل تحول تدريجيًا إلى جزء من الحياة الاجتماعية والثقافية في القرية: يجمع الناس حول خطاب سياسي، أو خبر مهم، أو حفل لأم كلثوم، ثم يفتح لهم لاحقًا بابًا للتعرف إلى أصوات فنية جديدة مثل فيروز. ومع انتشار الأجهزة في المزيد من البيوت، أصبح الراديو أكثر حضورًا في تفاصيل الحياة اليومية، واحتفظ بمكانة خاصة في ذاكرة جيل عاش مرحلة التحول من العزلة النسبية إلى الانفتاح على العالم من خلال وسائل الإعلام.
تم نشر التقرير عبر الملحق الثقافي في صحيفة الأيام نيوز الجزائرية.


هاي فايف