الخميس , 04 يونيو 2026 - 4:55 مساءً

نوال أبو عيسى… حين يتحوّل العمل الجماهيري إلى أسلوب حياة

نوال ابو عيسى

نوال ابو عيسى

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

بقلم: سامية عرموش

-----------

هناك أشخاص لا يمكن اختصارهم بوظيفة، ولا يمكن اختزال حضورهم بمنصب أو لقب مهني. أشخاص يصبحون، مع مرور السنوات، جزءًا من الذاكرة الجماعية للمكان، ومن تفاصيل الحياة اليومية لمن حولهم. ونوال أبو عيسى واحدة من هؤلاء القلائل الذين يصعب الحديث عنهم بلغة رسمية باردة، لأن علاقتهم بالناس كانت دائمًا أعمق من حدود الوظيفة، وأقرب إلى الشغف الحقيقي بالفعل الإنساني والجماهيري.

حين أفكر بنوال، لا أفكر فقط بامرأة عملت عشرات السنوات في مجالات التربية والعمل الجماهيري، بل أفكر بطاقة إنسانية متدفقة، بحضور دافئ، وبشخصية عرفت كيف تبني العلاقات كما تبني المشاريع؛ بمحبة وصبر وإيمان عميق بالناس، وخصوصًا بالشباب والنساء، وكل من احتاج يومًا إلى من يراه حقًا ويمنحه مساحة للتعبير والانتماء.

علاقتي بنوال تعود إلى سنوات بعيدة، إلى المرحلة التي كنت فيها في الثالثة عشرة من عمري، مشاركة في دورة الإرشاد للشبيبة، وكانت نوال آنذاك مرشدتي. ربما لم أكن أدرك في ذلك العمر أن هذه المرأة، التي كانت تقف أمامنا بثقتها وطاقتها وقدرتها على الاحتواء، ستصبح لاحقًا جزءًا مهمًا من مسيرتي المهنية والإنسانية.

ومع مرور السنوات، تحولت العلاقة من مرشدة ومشاركة شابة إلى زمالة عمل وصداقة عميقة. فعلى مدار أحد عشر عامًا من عملي كناطقة بلسان بلدية حيفا للإعلام العربي، كانت نوال حاضرة في محطات مهنية عديدة؛ بدايةً كمديرة لمركز الحليصة، ثم من خلال مسؤوليتها عن ملف الشبيبة، ولاحقًا ملف الثقافة العربية، وصولًا إلى عملها في بيت الكرمة. وفي كل محطة من هذه المحطات، كانت تترك أثرها الخاص، ليس فقط عبر المشاريع التي قادتها، بل عبر الطريقة الإنسانية التي تعاملت بها مع الناس ومع تفاصيل العمل اليومي.

وبيننا أيضًا تجربة قريبة جدًا إلى القلب، حين بادرنا معًا، إلى جانب الصديقة الراحلة سعاد شحادة، إلى إقامة "منتدى النساء العربيات الحيفاويات"، الذي جرى تشغيله تحت إطار مستشارة شؤون المرأة في بلدية حيفا، وضمّ مركزات وناشطات من مختلف الأحياء العربية في المدينة. وعلى مدار أربع سنوات متتالية، شكّل المنتدى مساحة نسائية وإنسانية وثقافية غنية، جمعت نساء من مجالات وخلفيات مختلفة، وفتح المجال لحوارات ومبادرات ونشاطات تركت أثرًا حقيقيًا في الحيز النسائي والاجتماعي في حيفا. ومن خلال هذه التجربة، رأيت عن قرب حجم الإيمان الذي تحمله نوال بأهمية العمل الجماعي، وبقدرة النساء على صناعة التغيير حين تتوفر لهن المساحة والدعم.

بالنسبة لي، لا يمكن الحديث عن نوال بمعزل عن هذا التراكم الطويل من العلاقات والمواقف والذكريات. فهي ليست فقط امرأة صاحبة مسيرة مهنية غنية، بل شخصية إنسانية تركت أثرًا عميقًا في كل من عمل معها أو اقترب منها.

على مدار أكثر من أربعة عقود، تركت نوال أبو عيسى بصمة واضحة في العمل التربوي والجماهيري في مدينة حيفا، ورافقت أجيالًا من الشبيبة والنساء ضمن مسيرة طويلة من المبادرات والمشاريع والبرامج الثقافية والاجتماعية.

بدأت مسيرتها منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، حين كانت من خريجات دورة "القيادة الشابة" الأولى للمجتمع العربي في حيفا، قبل أن تتحول لاحقًا إلى مرشدة وفاعلة مركزية في هذا المجال. ومنذ تلك السنوات المبكرة، بدا واضحًا ميلها إلى العمل مع الشبيبة وإيمانها بأهمية بناء الشخصية القيادية وتعزيز الثقة بالنفس والانتماء المجتمعي.

عملت نوال في أطر تربوية وشبابية متعددة في مدينة حيفا، وكان لها حضور بارز في مركز وادي النسناس الجماهيري، حيث ساهمت في تطوير برامج ومبادرات هدفت إلى تمكين الشبيبة ثقافيًا واجتماعيًا وإنسانيًا. ومن المبادرات التي تركت أثرًا خاصًا، تنظيم أول إفطار رمضاني جماعي للشبيبة العربية في حيفا، وإقامة أول مجلس للقيادة الشابة، في تجربة هدفت إلى تدريب الشباب على الخطابة والعمل الجماعي والممارسة الديمقراطية وتحمل المسؤولية.

كما تركت بصمة مؤثرة خلال سنوات عملها الطويلة في حي الحليصة، من خلال عملها في مركز الشبيبة "الجيبوريم"، حيث رافقت أعدادًا كبيرة من الشبان والشابات، وعملت على بناء مشاريع تربوية واجتماعية وثقافية عززت انتماءهم لحيهم ومجتمعهم. وكانت ترى في الإصغاء إلى أحلام الشباب وتحدياتهم جزءًا أساسيًا من رسالتها التربوية والإنسانية.

وفي إطار عملها في سلطة الشبيبة والشباب في بلدية حيفا، بادرت إلى تطوير مشاريع جديدة في مجال التربية اللامنهجية والعمل الثقافي والجماهيري، وساهمت في إقامة برامج قيادية ومجالس طلابية ومهرجانات فنية هدفت إلى منح الشبيبة العربية مساحة للتعبير والإبداع والمشاركة المدنية.

ولم يقتصر عطاء نوال على المجال التربوي فقط، بل امتد أيضًا إلى الحيز الثقافي والفني، من خلال عملها في بيت الكرمة ومشاركتها في تطوير مشاريع مثل "الفضاء الثالث"، الذي جمع بين الفن والتربية والحوار المجتمعي. كما عملت على تطوير مضامين لبرنامج تربوي ثقافي باللغة العربية تحت عنوان "مفاتيح حيفا"، يعرّف المشاركين على شخصيات حيفاوية مفتاحية تركت أثرًا في تشكيل هويتنا الجماعية كعرب في المدينة. ومن خلال هذا المشروع، أسهمت نوال إسهامًا مهمًا في تطوير مضمون ثقافي وتربوي نابع من روايتنا وتجربتنا المحلية، بدل الاكتفاء بترجمة مضامين من العبرية إلى العربية، وهو ما عكس إيمانها العميق بأهمية إنتاج محتوى ثقافي عربي أصيل يعبر عن هويتنا وذاكرتنا الجماعية. إضافة إلى ذلك، ساهمت في مشاريع نسائية وثقافية متعددة هدفت إلى بناء جسور بين النساء من خلفيات مختلفة، وتعزيز دور الفن كمساحة للتغيير والتواصل.

اليوم، ومع وصول نوال أبو عيسى إلى محطة التقاعد، لا يمكن النظر إلى هذه اللحظة باعتبارها نهاية لمسيرة، بل محطة جديدة في حياة امرأة أعطت الكثير، وما زالت تملك الكثير لتقدمه. فالعطاء بالنسبة لنوال لم يكن يومًا وظيفة تنتهي بانتهاء الدوام، بل أسلوب حياة وقناعة راسخة بأن الإنسان يستطيع أن يترك أثرًا حقيقيًا في حياة الآخرين.

كل التقدير والمحبة لنوال أبو عيسى، على سنوات طويلة من العمل الصادق، وعلى حضور إنساني سيبقى حاضرًا في ذاكرة كل من عرفها وعمل معها وسار إلى جانبها في دروب العطاء.

ملاحظة:

لقراءة السيرة الذاتية الكاملة للناشطة التربوية والاجتماعية نوال أبو عيسى، يمكنكم النقر على الرابط التالي:

https://haifa24.net/posts/1965

×