السبت , 30 مايو 2026 - 12:30 صباحاً

المخزون الميّت بين مواسم الفرح وهوس العطلات: هل نشتري لنلبس أم نستهلك لنفنى؟ – سامية عرموش

تم إنشاء الصورة بواسطة الذكاء الاصطناعي

تم إنشاء الصورة بواسطة الذكاء الاصطناعي

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

نعيش اليوم الأيام الأخيرة من العيد، ونتهيأ بعد أسابيع قليلة لاستقبال موسم الصيف والعطلات؛ تلك اللحظة التي كانت تُعدّ زمنًا للراحة والفرح، لكنها تحوّلت تدريجياً، تحت ضغط الموضة فائقة السرعة وثقافة الصورة، إلى موسم استهلاك مكثّف.

لم يعد التسوق مجرد تفصيل عابر مرتبط بالحاجة أو حتى بالاحتفال، بل أصبح جزءاً من طقس السفر ذاته: ملابس تُشترى بكميات كبيرة لتواكب “إطلالة الإجازة” على منصات التواصل، ثم تُطوى سريعاً وتختفي في عمق الخزائن، غالباً من دون أن تُرتدى إلا مرة واحدة، إن ارتُديت أصلاً.

في هذا السياق، شاركتُ مؤخراً في محاضرة رقمية عبر تطبيق “زوم” بدعوة من مبادرة Better Be Second، المتخصصة في جولات متاجر الملابس المستعملة. أعادتني هذه التجربة إلى مسار طويل من العمل التوعوي والمهني في هذا المجال؛ من الكتابة عبر موقع “حيفا 24”، إلى المشاركة في مؤتمر الاستدامة في “بيتسلئيل” بدعوة من جمعية “هيشل”، وصولاً إلى مبادرات وبازارات نظّمناها لدعم أطفال مرضى السرطان عبر جمعية “سلامتك حيفا”، بالتعاون مع “فيتسو حيفا”، في محاولة لفتح مسارات بديلة أمام ثقافة الاستهلاك السريع، نحو إعادة الاستخدام بدل الإنتاج المفرط.

لكن المفهوم الذي لفت الانتباه في ذلك اللقاء كان أشدّ دلالة: “المخزون الميّت” (Dead Stock).

يشير هذا المصطلح في صناعة الأزياء إلى ملايين القطع الجديدة تماماً التي تُنتج بكثافة تفوق حاجة السوق وقدرته على الاستهلاك، ثم تُترك في المستودعات، أو تُعدم عبر الحرق أو الطمر، فقط لأن الموضة تغيّرت بسرعة أكبر من دورة البيع.

هكذا يتحول فائض الإنتاج إلى “حياة معلّقة” لمنتجات لم تُستخدم قط، لكنها انتهت فعلياً قبل أن تبدأ.

هذا الواقع لا يقتصر على الصناعة وحدها، بل يرتبط مباشرة بسلوكنا الاستهلاكي اليومي. فوفق بيانات حديثة، يتسوق أكثر من 70% من المستخدمين العرب عبر الإنترنت، وتتصدر الملابس والأحذية بنود الإنفاق الأسري. وفي الوقت نفسه، تُعد صناعة الأزياء من أكثر الصناعات تلويثاً، إذ تساهم بنحو 10% من الانبعاثات الكربونية عالمياً، فيما يُنتج سنوياً ما يقارب 92 مليون طن من النفايات النسيجية، ينتهي معظمها في المكبات أو الحرق.

بين هذه الأرقام، تتشكل نسخة أخرى من “المخزون الميت”؛ ليست فقط في المستودعات، بل داخل خزائننا أيضاً: ملابس جديدة ببطاقات سعر لم تُنزع، لم تُرتدَ، ولم تُمنح فرصة للحياة.

ولا يقتصر هذا النقاش على البعد البيئي أو الاقتصادي فحسب، بل يمتد إلى بعد أخلاقي وروحي أعمق، يتقاطع مع قيم مشتركة تدعو إلى الاعتدال ونبذ الإسراف، كما في الرسائل البيئية الحديثة مثل Laudato Si’، وفي تراث ديني وإنساني واسع يؤكد على التوازن في الاستهلاك وحماية الموارد باعتبارها مسؤولية تجاه الإنسان والأرض معاً.

في المقابل، يشهد العالم محاولات جادة لإعادة تشكيل هذه الصناعة: من ابتكار ألياف مستخلصة من مخلفات طبيعية مثل قشور الموز والأناناس والنخيل، إلى تطوير مفهوم “الجينز الدائري” القائم على التصميم من أجل التفكيك، وصولاً إلى تشريعات في بعض الدول تحظر إتلاف الملابس غير المباعة.

لكن التحول الحقيقي لا يمر فقط عبر الصناعة، بل يبدأ من السلوك الفردي. ويمكن اختصاره بثلاثة مسارات بسيطة وفعالة: الشراء الواعي، دعم الملابس المستعملة كخيار اقتصادي وبيئي، وإصلاح وتجديد ما نملك بدل استبداله فوراً.

بين وداع العيد واستقبال موسم السفر، يبقى السؤال الأهم ليس ما الذي سنرتديه، بل ما الذي نُبقيه خلفنا من أثر.

هل نشتري لنلبس ونعيش بوعي ومسؤولية؟ أم نستهلك لمجرد الاستهلاك، فنضيف مزيداً من “المخزون الميّت” إلى العالم وخزائننا ووعينا معاً؟

×