الخميس , 07 مايو 2026 - 6:44 مساءً

مؤتمر "العبرية كمفتاح" في جامعة حيفا: بين تحديات الواقع واستراتيجيات التمكين

مؤتمر العبرية كمفتاح في جامعة حيفا: بين تحديات الواقع واستراتيجيات التمكين

مؤتمر "العبرية كمفتاح" في جامعة حيفا: بين تحديات الواقع واستراتيجيات التمكين

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

كتبت: سامية عرموش

___

في مبادرة أكاديمية ومجتمعية لافتة، نظمت مفوضية التّنوُّع، الإنصاف والشُّمول في جامعة حيفا، بالتعاون مع المركز اليهودي-العربي للسلام في جفعات حبيبة – مركز المجتمع المشترك، و شراكات إدموند دي روتشيلد، مؤتمراً حاشداً بعنوان "العبرية كمفتاح". ويأتي هذا المؤتمر ليسلط الضوء على قضية جوهرية تتمثل في تحديات إتقان اللغة العبرية لدى الطلاب العرب في البلاد، وانعكاسات ذلك على مسارات اندماجهم في التعليم العالي وسوق العمل.

خلال المؤتمر، تم استعراض بحث شامل وشيق أجرته شركة "נאס-ناس" للاستشارات والأبحاث ، كشف عن فوارق مقلقة بين المناهج التعليمية والواقع الميداني؛ فبالرغم من أن اللغة العبرية تُدرس كلغة ثانية منذ الصف الأول الابتدائي، إلا أن النتائج تظهر هوة سحيقة في المهارات العملية. إذ تشير البيانات إلى أن 43% من طلاب المدارس الثانوية لم يجروا قط محادثة بالعبرية مع مؤسسة رسمية، و 27% لم يتحدثوا أبداً مع يهود من أبناء جيلهم. كما أن ثلث الطلاب لم يرسلوا أي بريد إلكتروني بالعبرية، بينما لم يعبر حوالي الربع عن أنفسهم بهذه اللغة عبر شبكات التواصل الاجتماعي. ويؤكد البحث أن التدريس الحالي يركز في الغالب على القواعد والنحو، دون منح الطلاب الأدوات العملية اللازمة للاندماج الفعلي في المجتمع والأكاديميا.

كما توقفت الدراسة عند امتحان "ياعيل" (Yael)، الذي بات يشكل عائقاً كبيراً، حيث يضطر 70% من الطلاب لإعادة الامتحان مرة أخرى. وبدلاً من تطوير مهارات التواصل والمحادثة، يستثمر الشباب معظم طاقتهم في التعلم التقني لمجرد اجتياز الامتحان. ولتجاوز هذه الفجوة، يقترح الباحثون اعتماد نموذج امتحان مشابه للمعايير الأوروبية، إلى جانب تكثيف دورات التقوية وبرامج التوجيه المشترك مع الطلاب اليهود.

وقد استمعتُ باهتمام بالغ لمداخلات المتحدثين في الجلسة الأولى التي عُقدت بعنوان "تعليم اللغة العبرية: نظرة من الميدان، التحدّيات والنجاحات"، وأدارتها السيدة ديكلا تومر-كيال، مديرة قسم التربية في جيفعات حبيبة. وشارك في هذه الجلسة: د. هاني موسى (المفتش المركز لموضوع اللغة العبرية في وزارة التربية والتعليم)، والسيد نادر حجازي (مدير ثانوية الخوارزمي في طمرة)، و د. أييلت أتينجر (مسؤولة تدريس اللغة العبرية والكتابة الأكاديمية في جامعة حيفا)، والسيدة فردوس حبيب الله (معلمة اللغة العبرية وعضوة لجنة التوجيه في مفوضية التنوع).

وفي هذا السياق المتصل بالتمكين، أثار إعجابي بشكل خاص الجانب الإنساني والعملي الذي قدمته السيدة فردوس حبيب الله؛ إذ تحدثت بشغف لافت عن تطويرها لوحدة تعليمية مبتكرة لتعليم اللغة العبرية عبر الأغاني. وما جعل مداخلتها تلامس القلوب هو صدق تجربتها الشخصية؛ فقد استحضرت بجرأة تحدياتها كطالبة جامعية واجهت في بداياتها صعوبات جمة في إتقان اللغة العبرية، لدرجة دفعتها إلى تغيير مسارها التعليمي بالكامل بتوجيه من والدها، لتكون تلك اللحظة هي نقطة انطلاقها الحقيقية. إن الجانب الأكثر أصالة في حديثها كان تجسيدها للتحول النوعي في أسلوب التدريس، حيث ابتكرت نهجاً حيوياً يعتمد على الفن كوسيلة لكسر الحواجز النفسية واللغوية لدى الطلاب.

أما في سياق المداخلات الرسمية، فقد قدمت السيدة شيرين حافي ناطور، مديرة قسم كبير للمجتمع العربي والبدوي في وزارة التربية والتعليم، طرحاً فكرياً ومهنياً لافتاً؛ مؤكدة أن إتقانها العميق للعبرية ينبع من اعتزازها بهويتها وإتقانها للغتها الأم، العربية. واستعرضت ناطور برامج الوزارة الرامية لسد الفجوات اللغوية، داعيةً إلى تغيير الخطاب الموجه للطالب ليكون: "تعلم العبرية لكي تحقق كامل إمكاناتك"، بدلاً من ربط التعلم حصراً بدافع الاندماج الشرطي.

رؤية نقدية وموقف شخصي: التغيير كسيرورة مستمرة

بصفتي حضرتُ هذا المؤتمر للسنة الثانية على التوالي، وبقبعتي كموجهة تدرك تماماً أبعاد هذا التحدي من الميدان، لم أستطع تحييد تساؤلاتي المهنية. إن جزءاً من عملي كموجهة يتركز في برنامج يجمع طلاباً من المجتمعين العربي واليهودي، وهناك ألمس عن قرب حجم صعوبة التواصل؛ حيث يجد الطلاب العرب أنفسهم في حاجة ملحة ومستمرة لمن يترجم حديثهم، بل ويترجم لهم إجابات زملائهم اليهود من العبرية إلى العربية. ومع إدراكي العميق لهذه المعاناة الميدانية، قررتُ هذا العام ألا أغيب الجانب الصحفي في داخلي، وأن أكتب خلاصاتي بكل تجرد.

أنا أتطلع للمؤتمر وأتساءل: ما الذي تغير فعلياً منذ مؤتمر العام الماضي الذي تناول ذات الموضوع؟ وعندما أطرح هذا السؤال، فأنا لا أفعل ذلك بسذاجة، بل بوعي كامل بأن التغيير لا يأتي "بكبسة زر"، بل هو سيرورة طويلة قد تكون مرصوفة بالتحديات البالغة. ومع ذلك، يبقى التساؤل مشروعاً حول برامج الوزارة؛ لماذا يغيب عنا الإعلام بها؟ ولماذا لا تعمل الوزارة على تعميم إنجازاتها عبر نشرات إخبارية واضحة؟ إن حلقة التواصل المفقودة مع الجمهور تزيد من التوترات بين الميدان والمؤسسة.

أما بالنسبة لطلابنا، فلا يمكن إغفال تأثير المناخ السياسي العام الذي ينبذ حضور العرب ولغتهم، مما يؤثر حتماً على دافعيتهم للتعلم. إن اللقاءات المشتركة، كما اقترح مدير مدرسة الخوارزمي، هي جزء من الحل وليست الحل الكامل. ختاماً، أتمنى أن يُمنح المعلمون مساحة أوسع للابتكار، على غرار تجربة فردوس حبيب الله، ليكونوا قادرين على النهوض بطلابنا في ظل هذه التحديات المركبة.

×