الجمعة , 16 أكتوبر 2026 - 10:38 مساءً

حسنية ابن بري.. من الخياطة المنزلية إلى تأسيس بيت للضيافة والتراث البدوي في رهط

تصوير مندوبة حيفا24نت

تصوير مندوبة حيفا24نت

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

حيفا 24 | سيرة ذاتية

لم تبدأ حكاية حسنية ابن بري من مشروع سياحي أو فكرة تجارية كبيرة، بل من تفاصيل الحياة اليومية؛ من الخياطة التي مارستها في منزلها، والعمل الذي أمضت فيه سنوات طويلة، ومن قدرتها على اكتشاف فرص جديدة في المهارات التي امتلكتها والخبرات التي راكمتها على مدار حياتها.

وُلدت حسنية في إحدى القرى غير المعترف بها في النقب، وانتقلت مع عائلتها إلى مدينة رهط عندما كانت في الحادية عشرة من عمرها. وفي سن العشرين، تزوجت، لتبدأ مرحلة جديدة من حياتها، ترافقت لاحقًا مع مسؤوليات عائلية ومهنية، قبل أن تتجه إلى بناء مشروعها الخاص، مستندةً إلى خبرتها في الخياطة والضيافة واهتمامها بالتعلم وتطوير الذات.

من العمل اليومي إلى الاستقلال المهني

عملت حسنية مساعدةً في روضة أطفال مدة 13 عامًا، وإلى جانب عملها، مارست الخياطة والأشغال اليدوية من منزلها، وبدأت بصنع قطع يدوية وبيعها للزبائن. وكانت هذه التجربة إحدى الخطوات الأولى نحو الاستقلال الاقتصادي، إذ أتاحت لها استثمار مهاراتها في عمل خاص يمكن تطويره وتوسيعه.

لكن تجربتها لم تقتصر على ما تعلمته بالممارسة. فقد أدركت، مع مرور الوقت، أن تطوير مشروع مستقل يحتاج إلى معرفة وأدوات لم تتح لها فرصة اكتسابها في مرحلة مبكرة من حياتها. لذلك، قررت أن تواصل التعلم في مراحل لاحقة، وأن تستثمر في نفسها من خلال المشاركة في دورات تدريبية تساعدها على تطوير قدراتها وتوسيع آفاقها المهنية.

التعلم في مراحل الحياة المختلفة

التحقت حسنية بدورات في التنمية البشرية، وتوجيه المجموعات، والبرمجة اللغوية العصبية (NLP)، إلى جانب دورة في السياحة. وقد ساعدتها هذه المجالات على اكتساب معارف ومهارات تتصل بالتعامل مع الناس واستقبال المجموعات والتعرف إلى متطلبات العمل في مجال الضيافة والسياحة.

وفي حديثها عن تجربتها، تبرز أهمية الدعم الذي تلقته من زوجها وأبنائها، الذين ساندوها في خطواتها، وهو أمر تتحدث عنه بفخر وامتنان. فخوض تجربة مهنية جديدة، وتطوير مصلحة خاصة، يحتاجان إلى جهد شخصي، لكن مساندة المحيط العائلي قد تشكل عاملًا مهمًا في مواصلة الطريق.

ولا ينفصل اهتمام حسنية بالتعلم عن حرصها على مستقبل بناتها. فقد شجعتهن على مواصلة الدراسة، وتتحدث باعتزاز عن وصولهن إلى التعليم الأكاديمي. وبين تجربتها الشخصية وتجربة بناتها، يظهر التعليم بوصفه قيمة تؤمن بها، ووسيلة لفتح آفاق جديدة أمام المرأة، حتى عندما يأتي التعلم في مرحلة متقدمة من الحياة.

من الضيافة الرمضانية إلى تأسيس بيت حسنية

شكّلت مشاركتها في فعاليات مجتمعية خلال شهر رمضان محطة مهمة في مسيرتها، إذ تولت استقبال الزوار وإعداد المأكولات لهم. ومن خلال هذه التجربة، بدأت تتبلور لديها فكرة تطوير مهاراتها في الضيافة إلى مشروع مستقل، يجمع بين ما تجيده وبين ما يمكن أن تقدمه للزوار الراغبين في التعرف إلى المجتمع البدوي وثقافته.

ومع تطور الفكرة، عملت حسنية على اكتساب المعارف اللازمة لإدارة مشروعها، والاستفادة من خبراتها في التعامل مع الناس وإعداد الطعام واستقبال الضيوف. وهكذا تأسس «بيت حسنية» في رهط، بوصفه مشروعًا للضيافة يتيح للزوار التعرف إلى جوانب من الحياة والثقافة البدوية من خلال اللقاء المباشر والتجربة الشخصية.

لم يكن الانتقال إلى العمل المستقل خاليًا من التحديات. فقد تحدثت حسنية في مواد منشورة سابقًا عن صعوبات واجهتها في إدارة المصلحة، من بينها الإجراءات المتعلقة بترخيصها والحاجة إلى الاستثمار والتخطيط. وتكشف هذه الجوانب عن الجهد الذي يتطلبه بناء مشروع تجاري والمحافظة على استمراريته، بعيدًا عن الصورة المختصرة التي ترى النجاح من نهايته ولا تلتفت إلى الطريق المؤدي إليه.

بيت يفتح أبوابه للثقافة البدوية

في «بيت حسنية»، تتجاوز الضيافة تقديم الطعام إلى التعريف بالعادات والتقاليد البدوية. فالمائدة وما يرافقها من أحاديث، إلى جانب الحرف اليدوية والتطريز، تتيح للزوار التعرف إلى ثقافة لها خصوصيتها وتاريخها، وإلى جوانب من الحياة الاجتماعية التي تنتقل تفاصيلها عبر الأجيال.

وتلتقي في هذا المشروع خبرة حسنية في العمل المنزلي مع تطلعاتها المهنية واهتمامها بالتراث. فالخياطة التي مارستها لسنوات، والخبرة التي اكتسبتها في استقبال الناس والتعامل معهم، أصبحت عناصر في مسار مهني جديد يجمع بين توفير مصدر دخل مستقل وإتاحة مساحة للتواصل مع زوار من خلفيات مختلفة.

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى تجربة حسنية أيضًا في سياق أوسع يتعلق بفرص النساء في إقامة مصالح تجارية خاصة، وبالإمكانات التي تتيحها المهارات الشخصية والحرف التقليدية حين تقترن بالتعلم والتخطيط والمبادرة.

تجربة تتجاوز حدود المشروع

قصة حسنية ابن بري ليست حكاية انتقال مفاجئ من حياة إلى أخرى، بل مسار تدرّجت فيه الخطوات، من العمل في روضة الأطفال والخياطة المنزلية، إلى اكتساب مهارات جديدة، ثم تأسيس مشروع يربط الضيافة بالتعريف بالثقافة البدوية.

وفي قلب هذه التجربة، تحضر علاقتها بالتعلم وبأسرتها: امرأة واصلت اكتساب المعرفة في مراحل مختلفة من حياتها، واستندت إلى دعم زوجها وأبنائها، وحرصت في المقابل على تشجيع بناتها على التعليم الأكاديمي. وهي جوانب تضيف إلى سيرتها بعدًا يتجاوز ريادة الأعمال، لتطرح أسئلة عن فرص التعلم والتطور المهني، وعن الدور الذي يمكن أن تؤديه الأسرة في دعم طموحات المرأة.

ومن خلال «بيت حسنية»، تواصل تجربتها في الجمع بين العمل والضيافة والتراث، مقدمةً مثالًا على كيفية انطلاق مشروع من مهارات الحياة اليومية، ثم تطوره عبر المبادرة والتعلم والإصرار إلى مساحة للعمل والتواصل الثقافي في مدينة رهط.

×