الاثنين , 29 يونيو 2026 - 12:48 صباحاً

عندما "تتوالد" الأشياء في خزائننا: سحر رامي وفخ الدوبامين وسؤال الاستهلاك بقلم: سامية عرموش

عندما تتوالد الأشياء في خزائننا: سحر رامي وفخ الدوبامين وسؤال الاستهلاك بقلم: سامية عرموش

عندما "تتوالد" الأشياء في خزائننا: سحر رامي وفخ الدوبامين وسؤال الاستهلاك بقلم: سامية عرموش

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

في لقاء عفوي حمل الكثير من الشجن والصدق، أطلّت الفنانة المصرية سحر رامي عبر برنامج "EGY Podcast" مع الإعلامية يمنى علي. وخلال الحوار، لمست سحر وتراً حساساً يشغل بال الكثيرين اليوم، عندما تحدثت عن ولعها بالشراء الذي بات يسبب لها "كركبة" وتراكماً هائلاً في المنزل، قائلة بأسى بالغ: "أنا حاجتي كتير، وكل ما أوزع ألاقي الحاجة كتير.. أمي كانت تقولي الحاجة بتولد عندك! أمنية حياتي ما ابقاش عايزة كل ده.. يكون عندي فستانين وجزمتين وشنطتين".

هذا الاعتراف الإنساني من فنانة ارتبطت بداياتها بأكاديمية الفنون ودراسة البالية، وعرِفها الجمهور من خلال الإعلانات التلفزيونية وفوازير "فطوطة" مع الراحل سمير غانم، ليس مجرد فضفضة عابرة لنجمة تحت الأضواء، بل هو في جوهره مواجهة صامتة مع فائض يتسلل إلى بيوتنا جميعاً، ويعيد طرح السؤال الأكبر الذي نواجهه أمام خزائننا الممتلئة: هل نحن نشتري لنلبس ونعيش، أم أن الشراء نفسه أصبح غاية مستقلة فقدت علاقتها بالحاجة والمعنى؟

ثمة تفصيلة لافتة في حديث سحر رامي تستوجب التأمل؛ إذ تذكر أن زوجها الفنان الراحل حسين الإمام – الذي بدأت قصة حبهما مطلع الثمانينيات واستمر زواجهما حتى وفاته عام 2014 – كان يلحظ تقلباتها المزاجية وتعبها النفسي، فيبادرها بالقول: "انزلي اشتري". هذه العبارة تلخص بدقة ما يُعرف اليوم بـ"العلاج بالتسوق" (Shopping Therapy)، حيث نُشرعن لأنفسنا أو يُشرعن المقربون منا الشراء كآلية لمواجهة القلق أو الحزن أو ضغوط الحياة اليومية.

تعترف سحر قائلة: "لما تكون عندي حالة نفسية تعبانة انزل اشتري". لكن هذا المسكّن المؤقت سرعان ما يزول أثره، لنستيقظ على حقيقة تصفها بجلد ذات صادق: "كنت أشتري الحاجة مرتين.. وبقول لنفسي أنتِ ما عندكيش دم.. طيب افتحي الدواليب قبل ما تشتري، مش اروح اشتري الحاجة والقى 2 منها!".

علمياً، تفسر الدراسات النفسية والعصبية هذا السلوك بما يُعرف بـ"فخ الدوبامين". فالدوبامين، المسؤول عن الشعور بالمكافأة والتحفيز، يبلغ ذروته أثناء البحث والتصفح والتطلع إلى امتلاك الشيء، أي قبل إتمام عملية الشراء نفسها. لكن ما إن تصبح القطعة في المنزل حتى يتراجع مستوى الدوبامين بصورة حادة، وتتلاشى اللذة المؤقتة. ولهذا يعود كثيرون إلى الشراء مرة تلو أخرى؛ لأن الحاجة الحقيقية لم تكن إلى الفستان أو الحذاء، بل إلى الشعور اللحظي بالمكافأة.

هذا النمط الاستهلاكي يفرز ما أسمته والدة سحر رامي بـ"توالد الأشياء"، وهو التراكم الذي نواجهه جميعاً حين نفتح خزائننا لنكتشف أننا نملك مقتنيات بالكاد نستخدمها. وتشير أبحاث عديدة إلى أن الفوضى المادية والتكديس المفرط قد يرتبطان بارتفاع مستويات التوتر وصعوبة التركيز والشعور المستمر بالضغط النفسي. فالملابس التي نكدسها دون استخدام لا تشغل مساحة في المنزل فحسب، بل تحتل حيزاً من طاقتنا الذهنية أيضاً.

لكن خلف كلفة "الكركبة" الشخصية والنفسية، تقف كلفة بيئية لا تقل ثقلاً. فالحكاية الفردية لا تنفصل عن سوق عالمي ضخم يقوم على الاستهلاك المتسارع، وتغذيه منصات رقمية جعلت الشراء قراراً لحظياً يتم بضغطة زر. وتشير تقديرات دولية إلى أن صناعة الأزياء تعد من أكثر الصناعات استهلاكاً للموارد الطبيعية وإنتاجاً للانبعاثات والنفايات، فيما ينتهي جزء كبير من الملابس المنتجة سنوياً إلى المدافن أو الحرق بعد فترات استخدام قصيرة نسبياً.

في المقابل، حمل حديث سحر رامي ومضة إيجابية ملهمة حين أشارت إلى حبها للشراء من "وكالة البلح" الشهيرة في القاهرة، ليس بهدف الاستهلاك المتزايد، بل بحثاً عن الخرز والأقمشة التي تضيفها إلى ملابسها القديمة وتعيد ابتكارها. هذه اللمسة الفنية تنقلنا إلى مفهوم "إعادة التدوير الإبداعي"، حيث تلتقي الجمالية بالوعي البيئي.

فعندما نمنح قطعة قديمة حياة جديدة، أو نلتفت إلى أسواق الملابس المستعملة والمبادرات المجتمعية التي تشجع التبادل وإعادة الاستخدام، فإننا نقترب من مفهوم الاقتصاد الدائري الذي يطيل عمر المنتجات ويحد من الهدر. نحن هنا لا نحمي البيئة فحسب، بل نحافظ أيضاً على الذاكرة والقيمة المعنوية للأشياء، تماماً كما نفعل مع القطع التي نحتفظ بها لأنها تحمل أثراً عزيزاً أو ذكرى لا تُقدّر بثمن.

تتحرك مجتمعاتنا اليوم بين قطبين: ثقافة استهلاكية تدفعنا إلى شراء المزيد باستمرار، ومبادرات واعية تدعونا إلى التفكير فيما نملك قبل السعي إلى امتلاك المزيد. وأمنية سحر رامي البسيطة في أن تعيش بـ"فستانين وجزمتين وشنطتين" تبدو في جوهرها أكثر من مجرد أمنية شخصية؛ إنها دعوة إلى التحرر من فائض الأشياء ومن وهم السعادة المرتبطة بالتكديس.

فالسعادة الحقيقية لا تتوالد في الأدراج المغلقة، بل تنمو في المساحات الحرة، وفي قدرتنا على التمييز بين ما نحتاجه فعلاً وما نظن أننا نحتاجه. وهناك، ربما، يبدأ التوازن بين الإنسان وما يملك، وبين الرغبة والمعنى.

×