بين الذكرى والاستدامة: كيف تصنع الملابس المعنى في المناسبات العامة؟ بقلم: سامية عرموش
بين الذكرى والاستدامة: كيف تصنع الملابس المعنى في المناسبات العامة؟
كتبت: سامية عرموش
ليست الملابس في الحياة العامة مجرد أقمشة تغطي الجسد أو خيارات جمالية تلاحق الموضة. فهي، كما في السينما، لغة بصرية تحمل رسائل ومعاني تتجاوز الشكل الخارجي، وتساهم في تشكيل الانطباعات وصياغة المواقف وإثارة النقاشات الاجتماعية والثقافية.
وقد أدركت السينما مبكراً هذه القوة الكامنة في الأزياء. فالشخصيات لا تُبنى بالحوار وحده، بل أيضاً بما ترتديه، إذ يمكن لقطعة ملابس واحدة أن تكشف طبقة اجتماعية أو طموحاً أو تمرداً أو انتماءً قبل أن تنطق الشخصية بأي كلمة.
في أفلام المخرج المصري فطين عبد الوهاب، تتجلى هذه الفكرة بوضوح. ففي فيلم «حلاق السيدات» (1960)، لم يكن القميص المرسوم الذي ارتداه عبد السلام النابلسي في شخصية «زيزو» مجرد تفصيل شكلي، بل علامة بصرية تعكس رغبته في تجاوز موقعه الاجتماعي وتقديم صورة جديدة عن نفسه. أما في فيلم «إشاعة حب» (1960)، فقد جاءت أزياء شخصية «لوسي ابن طنط فكيهة» جزءاً من بناء المفارقة الكوميدية نفسها؛ إذ ساهمت القمصان المزخرفة وتسريحة الشعر والإكسسوارات في زعزعة الصورة التقليدية للرجولة السائدة آنذاك، لتسبق الصورةُ الحوارَ في تقديم الشخصية للجمهور.
تكشف هذه النماذج أن الملابس كانت دائماً أكثر من زينة؛ فهي أداة سردية وثقافية تعكس توترات المجتمع وأسئلته حول الحداثة والهوية والطبقة الاجتماعية. وما يبدو اليوم موضة معاصرة كان، في سياقه التاريخي، تعبيراً بصرياً عن تحولات اجتماعية وثقافية عميقة.
ومن المثير أن هذا الدور لم يتغير كثيراً في عصرنا الحالي. ففي الأيام الأخيرة، أثارت إطلالتان نسائيتان نقاشاً واسعاً في الإعلام ومنصات التواصل، ليس بسبب جمال التصميم فحسب، بل بسبب الرسائل التي حملتها كل منهما.
ففي حفل استقبال أُقيم في مدينة شيكاغو بمناسبة افتتاح مركز ومكتبة أوباما الرئاسية، اختارت ميشيل أوباما أن تجعل من إطلالتها تحية شخصية مؤثرة لوالدتها الراحلة ماريان روبنسون. فقد ارتدت تنورة صُممت خصيصاً لها وحملت صورة بورتريه لوالدتها في مرحلة الشباب، منفذة بأسلوب يحاكي الرسم بالقلم الرصاص. ولم يكن هذا الاختيار مجرد تفصيل جمالي، بل رسالة وفاء وامتنان ووسيلة لاستحضار الذاكرة العائلية في مناسبة عامة ترتبط بالإرث الشخصي والعام لعائلة أوباما. وهكذا تحولت قطعة الملابس إلى حامل للذكرى والعاطفة، مؤكدة أن القماش قد يؤدي أحياناً دوراً رمزياً لا يقل بلاغة عن الكلمات والخطب.
في المقابل، ظهرت الفنانة والمصممة راما دواجي بفستان صُنع من إعادة تدوير ثلاثة قمصان رياضية خاصة بفريق نيويورك نيكس. وقد أثارت الإطلالة جدلاً بين من رأى فيها نموذجاً مبتكراً للأزياء المستدامة، ومن اعتبرها خروجاً عن التقاليد المتوقعة في المناسبات الرسمية. لكن الجدل نفسه يؤكد أن الملابس ما زالت قادرة على تحريك النقاش العام وإثارة الأسئلة حول القيم والمعاني التي نريد التعبير عنها.
وهنا يلتقي البعدان الشخصي والبيئي للملابس. فمن جهة، تذكّرنا إطلالة ميشيل أوباما بأن للأزياء قدرة على حفظ الذكريات وتوثيق العلاقات الإنسانية. ومن جهة أخرى، يسلّط فستان راما دواجي الضوء على أزمة الاستهلاك المفرط وصناعة الموضة السريعة، ويدعو إلى التفكير في إعادة الاستخدام وإطالة عمر القطع التي نمتلكها.
من قمصان «زيزو» و«لوسي» في سينما الستينيات، إلى تنورة ميشيل أوباما وفستان راما دواجي اليوم، تتكرر الفكرة ذاتها بأشكال مختلفة: الملابس ليست عن المظهر فقط، بل عن المعنى. إنها لغة بصرية تصوغ المواقف، وتحفظ الذكريات، وتعكس تحولات المجتمع. وكثيراً ما تبدأ الحكاية من القماش قبل أن تبدأ من الكلمات.


هاي فايف