الأحد , 15 مارس 2026 - 2:13 مساءً

اعتراف على طريق العادلية… حين يتأخر الكلام

الصورة بلطف عن الشبكة

الصورة بلطف عن الشبكة

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

بقلم: سامية عرموش

بين سطوة الذاكرة المثقلة بالدماء، ولوعة الحب المكتوم خلف الحواجز؛ تضعنا دراما 'مولانا' أمام سؤال موجع: هل يحررنا الاعتراف المتأخر من ثقل الصمت، أم يضاعف مرارة الفقد؟ قراءة نقدية في مشهدية 'طريق العادلية' وانكسارات شخصية جمانة.

 في إحدى حلقات مسلسل "مولانا" (إنتاج عام 2026)، تعود الدكتورة جمانة مع والدها من الشام إلى قريتهما الحدودية، العادلية، بعد رحلة علاجية ساهم فيها الملازم أنور، الذي ساعد على إخراجهم لتلقي العلاج. طوال الطريق، تتحدث جمانة مع والدها بهدوء، كأنها تفتح قلبها أخيرًا بعد صمت طويل، تعترف وتشرح وتقول ما لم تجرؤ على قوله يومًا. لكن الحقيقة القاسية كانت أن الأب لم يعد يسمع؛ فقد فارق الحياة أثناء نومه، تاركًا الابنة وحيدة أمام الكلمات التي كانت تنتظر فرصة لتصل، في مفارقة وجودية تؤكد أننا غالبًا ما نتصالح مع من نحب في غيابهم أكثر مما نفعل في حضورهم.

لم يكن الأب مجرد والد، بل كان مختار الضيعة وأحد الشهود على المجزرة التي ارتكبها الجيش بحق أهلها، حاملاً ذاكرة ثقيلة ظل صداها حاضرًا في كل شيء، حتى في صمت جمانة. وربما لهذا السبب أخفت عنه سرًا كبيرًا: أنها أحبّت جنديًا من الجيش نفسه؛ وهنا تبرز ذروة الصراع النفسي، فهي ابنة الضحية التي تقع في حب رجل يرتدي البدلة العسكرية المرتبطة بوجع الذاكرة، مما جعل صمتها الطويل مبررًا ومنطقيًا أمام ثقل التاريخ.

شخصية "جمانة" التي تجسدها الممثلة إليانا سعد هي امرأة عصامية، مثقفة ومتعلمة، لكنها ابنة المكان بكل ما فيه من ذاكرة وألم. والدها أصر منذ صغرها على تعليمها الطب، ليمنحها أفقًا جديدًا بعيدًا عن قيود القرية، كأنها تكمل حلمه الذي حُرم منه. هذا التدريب والدعم جعلها اليوم طبيبة القرية الوحيدة، "حكيمة" أهلها، التي تحمل على عاتقها مسؤولية العائلة كاملة، شعورًا بالعطاء والوفاء، حتى عندما كان قلبها يميل لأنور. وكلما اقترب هو من التقدم لطلب يدها، كانت تجيبه: "لا أستطيع أن أترك والدي… أنا كبيرة العائلة وأنا المسؤولة عنها."

الملازم أنور، الذي يؤدي دوره الممثل علي كمال الدين، لم يتحدى الحاجز فقط على المستوى الجغرافي، بل على المستوى العسكري والاجتماعي أيضًا، ليصطحب حبيبته ويرافقها مع والدها، متحديًا القيود الاجتماعية والعسكرية. وقد أضفى الانسجام الرائع والكيمياء الممتازة بين الثنائي (إليانا وعلي) بُعدًا إنسانيًا عميقًا على الأحداث؛ فقدرتهما على نقل مشاعر التوق الممزوجة بالخوف جعلت المشاهد الحيادي يتعاطف وبشدة مع هذا الحب، بل ويباركه رغم الخلفية الدامية، وكأن الفن هنا ينتصر للإنسان المجرد.

وخلال عودة جمانة مع والدها إلى الضيعة، أوقفهما جندي لفحص السيارة، وأضاء بمصباحه على وجه الأب النائم… الميت. كانت جمانة تبكي بحرقة، كل دمعة تحمل اعترافًا بالحب، بالوفاء، وبالكلمات التي لم تُقل في وقتها. وفي مونولوغها الأخير، أصبحت كلماتها أكثر وجعًا: حبها لأنور، صمتها عن والدها، احترامها ووفاؤها له، كلها تصرخ في الفراغ الذي تركه الرحيل. الطريق نحو حاجز العادلية لم يكن مجرد مساحة جغرافية، بل مساحة تأملية، حيث الغياب يلتقي بالكلمات المعلقة.

وربما لم يكن لون السيارة الأحمر تفصيلًا عابرًا. الأحمر هو لون الحياة، ودماء الضيعة، والحب الذي أخفته جمانة طويلًا، والتمرد على القيود التي كانت تعيقها. في تلك السيارة الحمراء، على الطريق نحو حاجز العادلية، لم تكن جمانة تعود فقط إلى والدها، بل كانت تعود إلى نفسها، إلى حقيقتها، وإلى كل الخيارات التي حملتها على كاهلها، ليكون هذا المشهد لحظة مركزة لصراع بين الواجب والعاطفة، وبين الماضي والحاضر.

×