السبت , 14 مارس 2026 - 1:03 صباحاً

حوار خاص مع الدكتور خالد بشارات - دكتوراه في العلاج النفسي التحليلي التكاملي

تكتيكات الصمود النفسي وسط العاصفة: دليل العائلة للسلامة النفسية في زمن الحرب

الدكتور خالد بشارات

الدكتور خالد بشارات

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

حاورته: سامية عرموش

في ظل الحرب التي نعيشها اليوم، لم يعد الخوف مجرد شعور عابر، بل أصبح تحدياً يومياً يواجه الجميع؛ من الأطفال الذين يبحثون عن الأمان، إلى كبار السن الذين يحتاجون للطمأنينة، وصولاً إلى أولياء الأمور والشركاء الذين يحاولون الحفاظ على تماسك البيت وسط الضغوط. إن الحفاظ على الهدوء النفسي في هذه الظروف الصعبة ليس بالأمر الهين، لكنه الخطوة الأهم لحماية عائلاتنا. وفيما يلي تفاصيل الحوار الإرشادي مع الدكتور خالد بشارات حول آليات التعامل مع الأزمة:

إدارة الذات: كيف نحافظ على سكينتنا وسط الخطر؟

يستهل الدكتور خالد حديثه بالتأكيد على أن إدارة الخوف هي الحارس الأول للصحة النفسية. ويرى أن أهم خطوة للمحافظة على الهدوء هي الاستمرار في تقنية تنظيم التنفس؛ عبر الشهيق والزفير والاحتفاظ بالهواء في الصدر لفترة، ما يرسل إشارة للجهاز العصبي بأن الخطر تحت السيطرة. وينصح أيضاً بالتقليل من متابعة الأخبار المستمرة، لأن تكرار رؤية المشاهد المقلقة يغذي التوتر، وبدلاً من ذلك، يجب التركيز على "اللحظة الحالية" من خلال اللمس أو الحديث في مواضيع مختلفة لمساعدة الدماغ على الخروج من دوامة الخوف.

أما عند وقوع القصف أو انطلاق الإنذارات، فيشدد الدكتور على ضرورة "عدم التحدث عن الخوف" في تلك اللحظة تجنباً لزيادة الأدرينالين. وينصح بتكرار تمرين التنفس (شهيق لـ 4 ثوانٍ، حبس لـ 5 ثوانٍ، وزفير مطول) من 5 إلى 10 مرات. ولتجنب السيناريوهات السيئة، يطرح تمرين "تثبيت الانتباه" عبر الحواس الخمس: حدد 5 أشياء تراها، 4 تلمسها، 3 تسمعها، شيئان تشمهما، وشيء واحد تذوقه، فهذا يعيد الدماغ من الذعر إلى الواقع.

وفي حال ظهور أعراض جسدية كالرجفة أو ضيق التنفس، ينصح بترديد جملة "جسمي يحاول حمايتي" بصوت مسموع، والتأكيد على أن هذا وضع طبيعي وسيمر. وعند الوصول للمكان الآمن، يمكن مساعدة الجهاز العصبي عبر شد وإرخاء العضلات، شرب الماء، قراءة شيء خفيف، أو الحديث مع قريب، وترديد جمل مثل: "أنا في مكان آمن.. هذا وضع مؤقت"، مما يخفف نشاط مركز الخوف. وبعد انتهاء الإنذار، يفضل تحريك الجسم بممارسة الرياضة أو المشي.

الأطفال وكبار السن: رعاية الفئات الأكثر تأثراً

ينتقل الدكتور خالد للحديث عن الأطفال، مؤكداً حاجتهم للأمان العاطفي والوضوح. ويرى ضرورة إعادة الإحساس بالأمان لهم دون إنكار الواقع، وذلك عبر الحديث بنبرة هادئة ومطمئنة دون مبالغة أو تهوين شديد. ويقترح منحهم أدواراً بسيطة ليشعروا بالسيطرة، مثل تفقد المكان الآمن أو الماء والراديو، مع الإكثار من التلامس والتعاطف (لمس اليد أو الرأس) لتقليل هرمونات التوتر.

وعن كيفية الشرح لهم، يقول: "لا نخفي الحقيقة، بل نفسرها بشكل لا يولد الخوف؛ نخبرهم أن هناك حرباً ولكننا لسنا وحدنا، وأن الأصوات ناتجة عن خلاف بين دولتين وهناك من يعمل على إنهائه". ويحذر من استخدام كلمات كالموت والقتل والانتقام إن لم يسأل الطفل عنها، مع فتح المجال له لطرح الأسئلة: "أنا أسمعك إذا أردت السؤال". ومن المهم "تطبيع المشاعر" بإخبارهم أن الخوف طبيعي حتى للكبار، والحفاظ على روتين يومي (ألعاب، رسم، طبخ) ليشعروا بأن الحياة مستمرة. وبالمثل، يجب طمأنة كبار السن ودمجهم في الأنشطة لتجنب شعورهم بالعزلة دون زيادة قلقهم.

الزوجان: دعم متبادل وقاعدة "القارب الواحد"

في أوقات التوتر، يقل الصبر ويزداد الانفعال. لذا، يرى الدكتور خالد أن إدراك الزوجين بأن العصبية والتحسس هما استجابة طبيعية للضغط يغير سلوكهما. ويشدد على قاعدة "نحن في نفس القارب"؛ لتحويل التفكير من التصادم إلى التعاون.

ويعتبر التخطيط التشاركي الهادئ أفضل أسلوب لمواجهة الأزمات، وذلك عبر جلسة قصيرة لتوزيع الأدوار (رعاية الأطفال، الطعام، المستلزمات)، مما يحول الحالة من رد فعل متوتر إلى استعداد مشترك. كما ينصح باستخدام لغة هادئة والاتفاق على وصف "المشكلة" بدلاً من وصف "الشخص"، مع منح مساحة للهدوء والدعم العاطفي.

ما بعد الأزمة: التعافي وعلامات التحذير

يختم الدكتور خالد حواره بالحديث عن التعافي بعد انتهاء الطوارئ، والذي يرتكز على: الإحساس بالأمان، المعنى، والترابط الأسري. ويتم ذلك بإعادة الروتين السابق، وتنظيم الحياة لتكون متوقعة، والسماح بالتعبير عن المشاعر وفهم ما حدث، مع ممارسة أنشطة للتفريغ النفسي.

ويضع الدكتور قائمة بعلامات القلق أو الصدمة التي تستوجب طلب المساعدة النفسية فوراً إذا استمرت لأكثر من أسبوعين، وهي:

• نفسية: خوف وقلق مستمر، نوبات هلع، حزن شديد، أو انفجارات غضب.

• فكرية: أفكار وكوابيس متكررة عن الحرب، صعوبة التركيز، أو التفكير المستمر بالموت والتشاؤم.

• جسدية وسلوكية: أرق شديد، صداع أو آلام معدة مستمرة، تعرق شديد، فقدان شهية (أو العكس)، والانعزال التام عن العائلة وفقدان القدرة على القيام بالمهام اليومية.

×